ما الذي يُحرّك الإنسان؟

سؤالٌ قديمٌ قِدَمَ الإنسان، وكلٌّ يأخذه إلى منحًى مُختلف..

من مبدأ أرسطو في ثلاثيّة القصّة، الذي تطوّر حتى شمل جوانب الحياة بأكملها؛ فلكلّ شيءٍ بدايةٌ ووسطٌ ونهاية، ولحياتك ولادةٌ ومعيشةٌ وممات — وهكذا في كلّ أمور الحياة؛ فأُقسّمها إلى ثلاثة مُحرّكات تدفعنا للإجابة.

  1. الأساسيّات — الخوف والمال والحاجة والحريّة. وهي في قاعدة هرم ماسلو «الأمان»، وكما يقول شوبنهاور «إرادة الحياة»، أو هوبز في قوله «الخوف أوّل ما حرّك الإنسان». وفي ديننا منّ الله على قريش فقال: «الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ»؛ فقالها بدافع الأساسيّات المتوفّرة لديكم، فحُقّ لكم أن تعبدوا ربَّ هذا البيت الذي آمنكم من مخاوفكم، وعليها فلكم رحلتان في الشتاء والصيف.

  2. الرغبات — الرغبة والتقدير والجاه؛ فهي كيف ينظر لي الناس، وكيف أنا بتصفيق من حولي أو تقديرهم. فهي ما ينظرون لك، وما تفعله لتنال التقدير وتحظى بالجاه. فقد يُخاطر الإنسان لا ليعيش أو يأكل؛ بل ليُعترَف به — كما قال هيغل. فهي ليست أن تكون بخير، بل أن تُرى أنّك بخير وتحظى بتلك النظرة. والمتنبي يقول: «أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي»؛ فهو يقولها مُشكّكًا ومؤكّدًا بالمنزلة التي وضع نفسه بها — ولكنّ الشكّ لا يزال حاضرًا؛ فالأنا التي تحتاج شهادة الآخرين لا تطمئنّ ولا تشبع.

  3. المعنى — الرسالة؛ فهي أن تتحرّك لرسالةٍ أكبر منك، ومعنى يُحرّكك ويؤثّر فيك. فكما قال أحدهم: «المهمّ أن أجد حقيقةً وفكرةً أموت وأحيا لأجلها». فالمعنى لا ينام كما تنام، ولا يموت كما تموت؛ فتخيّله الباقي الذي تحيا له وتموت فداءً له. فهي التي قال عنها ربّنا: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا … وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ»، وهي وصيّة ربّنا: «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، وهي ما قاله شوقي: «قِفْ دونَ رأيِكَ في الحياةِ مُجاهدًا … إنَّ الحياةَ عقيدةٌ وجهادُ»؛ فمجرّد أن تجد العقيدة ستُجاهد، فهي ما تؤمن به حقًّا، وكلّ ما عداها ليس بأهميّتها؛ فهي الجوهر وهي الدافع. ولا يُشترط في المعنى أن يكون دينيًّا صِرفًا؛ فهي معانٍ ورسالاتٌ كُثر. فكما في الحديث: «إن قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسيلةٌ فليغرسها»؛ فالمعنى هنا هو الإحياء، والعمل مهما كان الوضع، والسعي الحثيث دون الاكتراث لأيّ شيء؛ فهو الأساس الذي يُفترض أن نمشي به وعليه.

جاء عتبةُ بن ربيعة للنبيّ ﷺ فقال: جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وقال: سوّدناك علينا، وقال: ملّكناك علينا — فرفضها جميعًا؛ ففيها المبدأ الأوّل من المال، وفيها من المبدأ الثاني تقديرٌ وجاه، ورفض العرضَ كلَّه للمعنى والرسالة التي جاء بها لنا.

وجاء المغول بما لم يأتِ به أحدٌ من قبل، فاحتلّوا أوسعَ إمبراطوريّةٍ متّصلةٍ عرفها التاريخ؛ فكانت العدّة لا تُقهر، والعتاد لا يرحم، والجيش الجرّار؛ وأسقطوا به الدولة العبّاسيّة. ولكنّ غياب المعنى والرسالة هو من أنهاهم؛ فذروتهم جنكيز خان وهولاكو، وبعد موتهما تفكّكت الإمبراطوريّة وتبعثرت — فكأنّ هذين الرجلين احتفظا بالرسالة لأنفسهما؛ لهذا لم يبقَ ذكرهم طويلًا.

مات جنكيز خان فماتت قوّته معه… ومات النبيّ ﷺ وللآن رسالتُه تؤثّر فينا، فكانت ولا زالت ولن تزول فعاش من أجلها ومات لأجلها ونقلها إلى من بعده وستبقى إلى الأبد. فأصحابُ الرسالات والمعاني باقون — لأنّ الرسالة والمعنى لا يفنيان.


توصية سَماع:

زياد
زياد

شيء من كل شيء، وأشياء من الشيء. صعّبتها حتّى تحس إنها قيّمه، ولا تراها سعة.